رأي الاقتصادي: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فرصة لتعاون أكبر مع الخليج


الاقتصادي – خاص:

أياً كان الشكل النهائي لطبيعة العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي نتيجة قرار المغادرة، وفق الاستفتاء الذي جرى مؤخراً؛ والذي سبق أن بينت الاقتصادي مراجعتها الموجزة بخصوصه؛ فإنه سيبقى حدثاً مفصلياً سيكون له دور في احتمال تبلور صياغة معدلة للمصالح الدولية سياسياًً واقتصادياً، فالحدث بحد ذاته لا ينبئ فقط بتداعياته المباشرة، إنما ينبه أيضاً إلى تغيرات تساعد على تشكلها العولمة بعلاقاتها المتشابكة ووسائط عصرها المختلفة بما أوجدته من آفاق غير مسبوقة للمكانات البشرية العابرة للحدود.

بالتأكيد، التغييرات التي نتوقع حدوثها ستغيّر أيضاً توازن الربح والخسارة بالمفهوم الكلي لأطرافها، كما مبدأ التوازن الطبيعي بين مختلف الكائنات الحية الذي يبقى قائماً بغض النظر عن زيادة أو نقصان أو زوال بعضها، وستحمل هذه التغييرات معها فرصاً جديدة تتفاوت ظروف الاستفادة منها وفق محددات اقتصادية وجيوسياسية، ومدى الجهوزية والرغبة للاستفادة منها. 

المملكة المتحدة دولة عظمى قدم شعبها أبهى إنجازات الحضارة البشرية، وتتمتع بمختلف المقومات التي ستبقيها في مقدمة الدول المتقدمة والفاعلة على الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً وعلمياً، من خلال تاريخ عريق ومخزون وافر من الإمكانات، وستبقى لندن عاصمة العالم بالمعاني الحضارية والثقافية وبواقعها التعددي الذي لا تضاهيها فيه مدينة أخرى، وستبقي على ما تتمتع به من مرجعيات تعتمد معاييرها في أنحاء العالم بشتى الأمور. والمغادرة بما سينجم عنها من تبعات سلبية لن تغير من كونها الدولة الأوروبية الوحيدة الناطقة باللغة الرائجة الأولى في شتى مجالات العلوم والأعمال، اللسان العالي المشترك للقارات الخمس.

لمراجعة هذه التبعات السلبية، ينبغي النظر إلى منافع انتمائها للاتحاد الأوروبي بشكل معمّق، والنظر في تاريخ المملكة المتحدة وإمكاناتها، بالعودة بالتاريخ إلى القرن التاسع عشر الذي شهد ذروة اتساع الإمبراطورية البريطانية، فامتدت خلاله لتشمل ربع مساحة العالم، ثم إلى النصف الأول من القرن العشرين، حيث استُنزفت قوتها في حربين عالميتين، وشهد نصفه الثاني تفكيك الامبراطورية، إلا أنه شهد أيضاً إعادة المملكة المتحدة بناء نفسها كبلد أوروبي متطور ومزدهر. حافظت بعده المملكة المتحدة على دور فاعل في السياسة الدولية، ولها واحد من المقاعد الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن، وهي عضو مؤسس في حلف الناتو ورابطة الكومنولث، وعضوٌ فاعل في الاتحاد الأوروبي، ويحتل حجم اقتصادها الرتبة الثالثة بعد ألمانيا وفرنسا في المجموعة الأوروبية.

وكمثالٍ ذو دلالة على حجم التبادل التجاري بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وفق أرقام عام 2014، يُلحظ أن نسبة صادرات ألمانيا إلى المملكة المتحدة تبلغ 7.9% (وتحتل المرتبة الثانية) من مجمل الصادرات الألمانية، وهذا يمثل نسبة 14.6% (وتحتل المرتبة الأولى) من مجمل مستوردات المملكة المتحدة، بينما تبلغ صادرات المملكة المتحدة إلى ألمانيا نسبة 10.5% (وتحتل المرتبة الثانية) من مجمل صادرات المملكة المتحدة وهذا يمثل نسبة 4.6% (وتحتل المرتبة السادسة) من مجمل المستوردات الألمانية، ما تشير إليه المراجعة المتأنية لهذه الرقام هو أن فوائد السوق المشتركة والمصالح التجارية بينهما (ألمانيا والمملكة المتحدة كمثال) طريق باتجاهين، وسوق المملكة المتحدة يشكل أهمية كبيرة لألمانيا، والتي يحتل اقتصادها المرتبة الأولى في الاتحاد الأوروبي، كما تشير هذه الأرقام والمرتبات إلى أن المملكة المتحدة تملك أوراقاً قوية في مفاوضات المغادرة مع الاتحاد الأوروبي، هذا يجب أن يساعد على الوصول إلى تفاهمات مشتركة عادلة يستفيد منها الطرفان.

ليست الغاية مما سبق التقليل من السلبيات المتوقعة للمغادرة أو دعم مسوغات الفريق الداعم للمغادرة، إنما الغرض منها تسليط الضوء على الجوانب الموضوعية بشكل متأنٍ، وعدم الانجرار فقط مع المبالغة في الطروحات التي تنتهجها التعبئة العلمية وتستخدم في التنافس السياسي بين مؤيدي المغادرة والبقاء، فلا زلنا نعتقد بشكل أكيد أن البقاء هو الخيار الفضل، والاتحاد الأوروبي يمثل فضاءً واسعاً لطائر المملكة المتحدة، لكن يخطئ من يعتقد أن هذا الطائر سيكون ضعيف الجناح وأنه لن يتمكن من المحافظة على قدرته بالتحليق والمناورة بالقدر الكافي خارجه.

لنعد إلى مسألة تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، حيث لا يبدو على فريق المغادرة أيضاً الرغبة بسرعة تفعيلها، ربما لمحاولة التفاوض قبلها واستشراف النتائج قبل مباشرة المغادرة بشكل رسمي، ويُملِ ذلك نوعاً من الازدواجية والتردد، والاتحاد الأوروبي بدوره لا يقبل بدء التفاوض قبل تفعيلها، ويتفق ذلك مع تصريح “أنجيلا ميركل” ما يعني بأنه ”ليس هناك تفاوض حسب الطلب“. وفق هذه المادة يحق للدولة العضو في الاتحاد أن تقرر الانسحاب وعلى ضوء القواعد التوجيهية للمادة تبدأ مفاوضات اتفاقية الانسحاب، وهذا يعني إضافةً لغموض المادة وعدم وجود حالة انسحاب سابقة، أن هناك أشكال مختلفة لتنفيذ الانسحاب تربط بعلقات الطرفين بعدها. من الممكن بقاء أو إلغاء قضايا ذات صلة بالعمل الأوروبي المشترك.

الوضع حالياً يكتنفه الغموض والقلق، ليس داخل المملكة المتحدة فقط إنما أيضاً ضمن الاتحاد الأوروبي الذي يخشي العواقب التالية للمغادرة على إنجازات الاتحاد، والتخوف من أن يحرّض ذلك رغبة المغادرة لدى أعضاء آخرين.

وفي النهاية، ما سيحصل من تغييرات قد يؤدي إلى تبدلات في العلاقات الاقتصادية والسياسية نتيجة الارتباطات المعقدة لهذه التغييرات بالعوامل الجيوسياسية وأنماط المصالح الدولية الراهنة.

خلال النصف الثاني من القرن العشرين والسنين المنصرمة من الألفية الجديدة، تلك هي الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، شهدت هذه الفترة أحداثاً تاريخية مهمة، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، شهدت انحسار نفوذ الدول الاستعمارية كفرنسا والإمبراطورية البريطانية وتفكك الأخيرة، وتقسيم ألمانيا، ونشوء مرحلة القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وشهدت استقلال الكثير من الدول وانطلاق حركات التحرر، ودخل الصراع بين القطبين مرحلة الحرب الباردة الممثلين لأيديولوجيَّتين تتزعمهما كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأولى تقود معسكر اليمين الرأسمالي، والثانية معسكر اليسار الاشتراكي، ونشأ مصطلح الغرب والشرق السياسيين، وأصبح لكل قطب حلفاؤه من دول العالم بما فيها دول القارة الأوروبية، ليصبح هناك أوروبا شرقية وأخرى غربية. دون إغفال نشوء حركة عدم الانحياز ومحاولة دولها لعب دورٍ حيادي ودعم حركات التحرر واستقلال الشعوب اقتصادياً وسياسياً.

في سبعينات هذه الفترة، أطلق أحد رواد مشروع الحلم الأوروبي جيسكار ديستانغ رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، أفكار الحلم الأوروبي الأولى سعياً لتحقيق وحدة اقتصادية لتعزيز التعاون بينها وآفاق الازدهار لشعوبها، هذه الشعوب التي لم يمض على مآسي حروبها واختلافاتها زمن طويل، سار هذا الحلم بخطى ثابتة وواثقة ووصل بعد عقود من الجهد والعمل المشترك إلى ما هو عليه اليوم متجاوزاً حدود التعاون الاقتصادي إلى صيغٍ متقدمة من الاندماج الخلاق.

في تسعينات القرن المنصرم، حدثت تطورات نجم عنها تغييرات تاريخية، سقط فيها الاتحاد السوفييتي وتراجعت الأيديولوجيا الشيوعية وتوحدت ألمانيا وسقط المعسكر الاشتراكي، وتغيرت أنظمة الحكم في دول أوروبا الشرقية والتحقت تباعاً بأوروبا الجديدة الموحدة. وتحسن الدور الاجتماعي للنظام الرأسمالي التقليدي من خلال تطوير الضوابط والتشريعات في دوله المتقدمة بما يعزز حقوق شعوب هذه الدول ورفاهها. وتغيرت أشكال الصراع السياسي والاجتماعي وتراجع دور النقابات العمالية في وقت ازدادت فيه معدلات الإنتاج بشكل غير مسبوق مترافقة مع عصر العولمة وثورة المعلومات والاتصال التي أسقطت الجدران العالية بين الشعوب، وخلقت أدوات تساعد البلدان المتخلفة على التقليل من الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب وفق تقسيم جان جاك شرايبر وتنبؤه منذ السبيعينات بدور الثورة الرقمية بردم هذه الفجوة والدور الفعال لعواعد النفط المالية ودوله في المساعدة على ذلك.

في الشرق الأقصى حدثت تحولات لم تكن أقل أهمية، فقد أصبح المارد الصيني لاعباً رئيسياً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على الساحة العالمية، وحقق اقتصاده معدلات نمو عالية، وإنتاجية كبيرة، وله سوق استهلاكية هائلة غيرت قواعد اللعبة السائدة، فحصلت انتقالات لمراكز الإنتاج أدت إلى تغييرات كبيرة في شبكة التجارة العالمية وحجومها، وبرأينا أن ازدياد الطلب ونمو التجارة العالمية بوتائر عالية وغير مسبوقة في سنين الألفية الجديدة أعطى الاقتصاد العالمي تعقيداً وحساسيةً بالغة، أصبح معها أي تراجع أو ركود يؤدي إلى أضطرابات مالية واقتصادية، ذات اهتزازات عابرة للحدود، وأزمة عام 2008 مثال على ذلك، قد يأتي ذلك خارج سياق الموضوع الذي نتناوله، إنما القصد منه تناول بعض المشاهد المتبدلة في العلاقات الاقتصادية الدولية وتأثيراتها السياسية على التكتلات ومصالح الدول، وصولاً للقول بأن مصالح الدول تبقى الأساس أما السياسات والتحالفات فتتغير بالقدر الذي تتطلبه خدمة هذه المصالح.

بالعودة إلى قضية المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، هل من فرص تخلقها الظروف حالياً للاقتصادات والدول خارج المنطقة الأوروبية؟ وماذا عن دول المنطقة التي تعيش مرحلةً سيئةً من الصراعات الداخلية أفرزت أدواراً إقليمية زادت الأمور تعقيداً. ماذا عن دول مجلس التعاون الخليجي وهل من تصورات لاستراتيجية تستفيد من الواقع الذي سيتبلور في المرحلة القادمة التي ستقدم إلينا فيها، المملكة المتحدة وأوروبا بوجهين جديدين بدءاً من عام 2017؟ الجواب، نعم بالتأكيد هناك تصورات.

ومن الناحية الاقتصادية، سبقت الإشارة إلى ما لدى المملكة المتحدة من إرث حضاري ومساهمات أساسية في تطور البشرية، ولديها جميع المقومات التي تسمح بتعزيز الشراكة التجارية والاستثمارية معها، داخلها وخارجها، بشروط تحمل منافع مضافة للفريقين. وتسمح بخلق تحالفات تساهم بدفع الارتقاء الاقتصادي ونقل التكنولوجيا والمعرفة والتمهيد لتعزيز الواقع الجيوسياسي لدول مجلس التعاون الخليجي، إذا ما أحسنت هذه الدول تصميم استراتيجيتها وأتقنت تنفيذها. والمملكة المتحدة ترتبط بدول الخليج بعلاقات تاريخية وثيقة وبدرجات مختلفة، والمملكة المتحددة المحررة من قيود تقيدها بالسياسات الاوروبية الملزمة في مبادئ التعامل مع الدول الاخرى بامور كثيرة، ستجد في دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً قادراً يوثق به. دول مجلس التعاون الخليجي ستستفيد سياسياً من المملكة المتحدة بوجهها الجديد، والتي ستبقى مؤثرة أوروبياً ووثيقة الصلة بالولايات المتحدة التي بدورها ستبقى بحاجة لحليفها التقليدي بوجهه الجديد، وستمارس المملكة المتحدة دورها بكفاءةٍ عالية، وهامش استقلالية أفضل، وسوف توظف هذا الهامش ببراغماتية ومرونة عاليتين. بالتأكيد الاستراتيجية المرتبطة بذلك ليست بالسهولة التي قد يوحي بها هذا الكلام الموجز، ولا تخلو من التعقيدات والعوائق المرافقة الواجب إزالتها أو التخفيف منها، لكن لا نعتقد بوجود أي عوائق جوهرية تعيق طرح الفكرة أو تشكك بجدواها. فليس هناك ما يمنع دولة قوية وواثقة بقدرتها وكفاءتها وبمؤسساتها التي اُحسن تنظيمها، كدولة الإمارات العربية المتحدة أن تكون عضوا في الكومنولث كمدخل معنوي لعلاقة مميزة بين البلدين، وكجزء من شبكة لا تتعارض مع تطلعات الإمارات العربية المتحدة ودورها الاقليمي كبلد عربي ومسلم، وكم لذلك من من أهمية بالدفع لخلق تحالفات تعزز مواجهة التدخلات الاقليمية بالمنطقة.

هناك أربع قوى إقليمية رئيسية، ودول مجلس التعاون الخليجي أحدها ولسنا بصدد تقييم أو ترتيب أدوار هذه القوى فهي معروفة بشكل عام. وبالتالي فكل ما من شأنه تعزيز هذا الدور يشكل ضماناً وأمناً أفضل للمنطقة وأجيالها القادمة.

يمكن للاستراتيجيات الجديدة ان تخلق فرصاً للمملكة الممتحدة تساعدها على التقليل من سلبيات المغادرة، وهناك سبل عديدة لتحقيق ذلك، وطبعاً سيكون هناك ما يقابلها لمن يقدمها. تاريخياً في ظروف البلبلة والتقلبات هناك من يترك مقعده هارباً، وكثرٌ ممن يتركون مقاعدهم أذكياء، لكن من يتخذ المبادرة للحلول في المقاعد الفارغة وبالوقت المناسب سيكون أكثر ذكاءً.

النفط نعمة ويبقى السلعة الاستراتيجية الأهم، ويبقى لدور عوائده والسياسات المرتبطة بإدارته دورٌ كبير في خلق تحالفات وشراكات مميزة، عند فرصة قد لا تتكرر.

أضف تعليقك

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر COMMAND أو CTRL