كدبيب نملة سوداء في ظُلمة ليل


الاقتصادي – آراء وخبرات:

أكثر من أربعين ألف صورة مُزورة تم رصدها من قِبل الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم استخدامها ضمن الحملات الإعلامية للحروب والمعارك الدائرة في هذا العالم المجنون.. وما خفي كان أعظم.

كل طرف يدّعي أن الضحايا ضحاياه وأن الآخر هو المعتدي الآثم، أو أنها انتصاراته وهزائم غريمه التي قرر أن يحتفل بها على الملأ.. إنها الحرب الإعلامية، اللعبة الأهم، العنصر الأكثر تأثيراً في ترجيح كفة على الأخرى، والتي أثبتت التجارب أن من ينتصر في ساحاتها على مر التاريخ، يكون قد حقق النصر المبين.

لكن تبقى الحقيقة الوحيدة المؤسفة في هذه العَتمَة القاتلة.. أن تلك الصور حقيقية وأنّ صرخات الاستجداء كرباجٌ ينهال على قلبك بلا هوادة، وأن بُكاء الأطفال وأنين المكلومين ليست أصواتاً مُستعارة زُينت بها شفاه زائفة، وأن خراب الأوطان والدمار ليس صور فوتوشوب رُسمت بأصابع مُحترفة ماهرة تبحث عن تصفيق الجمهور أو كي تنال جائزة أفضل عمل فني متقن.. بل هو واقعٌ مبكٍ مُرُّ مؤلم بكل ما فيه من تفاصيل وأسى.

تلك الحقائق لا بد أن تستوقفك قليلاً.. كم تقرير وكم تحليل، وكم وجهة نظر تقرأها وتسمعها في اليوم عشرات المرات.. الجميع يستشهدون بالأدلة نفسها، وبعد كل ذلك التزييف، تأتي أنت وحدك لتنشر قناعاتك وتصرخ وتحتد فجأة جازماً أنك على حق وأنّ الآخر إبليس رجيم. تُقسم بأغلظ الأيمان أن النصر قادم وأنك الفريق الناجي.. وأنك في الجنة وحدك.

لكن الحروب لا يؤمن مكرها. تلك الشرارة التي ربما نعرف جيداً كيف ومتى تشتعل لكن لا يُدرك أحدٌ كيف ستخمد وتنتهي. تتشابك المصالح فجأة وتتقاطع، تتبدل الفِرق، تتغير المواقف بين لحظة وأخرى، لذا ولدت السياسة التي كانت منذ قديم الأزل المحور الثالث بين الإنسان وعدوه الإنسان وبين سلاحه الواقف على أهبة الاستعداد في معركة الدمار الساحق.

أُشاهد اليوم كل هذه المواقف المُحتدمة ورغم كل هذا الألم والدمار، ترتسم ابتسامة باهتة على ملامحي. تلك الجدالات التي أصبحت على الملأ في عصرنا هذا.. يُهيأ لك أن أحدهم بنبرته المُحتدة الحازمة تلك وكأنه يقف هناك في أرض المعركة يُتابع بعينين ثاقبتين عن كثب ما يحدث، متشبثاً برأيه وكله يقين وثقة.. فإذ بتلك الحالة المتشنجة تزيد من لهيب الحروب الطاحنة وتُضيف إلى مآسيها فصلاً جديداً يٌسمَّى الفُرقة القاتلة.

علمتني الكوارث أن أتأملها طويلاً قبل أن أصفها، وأتكلم عنها، وإن عبَّرت برأي، فليكن بأدب وعلى استحياء بل علمتني المواقف الكثيرة على تباينها أن أشُك ألف مرة في وجهة نظري وانصت لمن يُخالفني وأن أقبله فلربما كان الصواب حليفه، فأنا على قناعة تامة أنّ كل ما نعرفه يبقى هامشاً خجولاً على طرف صفحة تمتلئ بالتفاصيل المُبهمة..

الحقيقة في هذا الزمن شحيحةٌ جداً وصعبةٌ جداً تكاد تتلاشى وتبكي حالها وترثي حالنا معها. رغم كل هذا التطور والانفتاح، تتوه الحقيقة أحياناً كثيرة في دهاليز هذا العالم المضطرب، أصبحت ترتعد خوفاً وتختبئ فلم تعد تعرف لها طريقاً أو اتجاه.. وقد ظننا أننا ملكناها وقبضنا عليها بأيدينا.

الحقيقة الوحيدة اليوم أن الإنسانية تنزف ولا نعرف من الجاني..

زمن صعب!!

دمتم ودام الوطن بألف خير.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع “الاقتصادي.كوم”، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

أضف تعليقك

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر COMMAND أو CTRL