السلام عليكم وعلينا… أيها العالم المجنون


الاقتصادي – آراء وخبرات:

لا.. ليس أمراً عادياً ما نعيشه اليوم من سواد ودماء وكوارث! بعض الناس يُصر مستهزئاً أنّ البشرية مرَّت بما هو أسوأ، مستشهداً أن العصر الحديث وحده حمل في قلبه حربين عالميتين داميتين، حصدت الملايين وغيَّرت ملامح الأرض، بل إنَّ الأزمان السحيقة شهدت ما هو أشد وأمرّ.. شعوب أبيدت وأراضٍ أُحرقت.. وشمسٌ غربت طويلاً، وليلٌ مستبد بقيت آثاره عالقة في ذاكرة البشرية!!   

لكن، ورغم الحروب العالمية والدمار الذي تسببت به والذي حصَد ما يُقارب من 70 مليون شخص أي ما يعادل 2% من سكان العالم آنذاك.. وحرب الثلاثة ممالك الشهيرة والتي تعتبر الأكثر كلفة في التاريخ بعد الحروب العالمية وقد أُزهق فيها ما يقارب 37 مليون شخص، وحروب أخرى عديدة كحرب الثلاثين عاما وحرب الصين الأهلية التي قتلت أكثر من 20 مليون شخص، وحرب الفتوحات المغولية التي أسفرت عن القضاء على أكثر من 35 مليون شخص.. وغيرها من الحروب التي كان يسكن خلف كواليسها أسباب سياسية أو دينية أو وطنية أو طائفية.. إلا أننا ورغم كل ذلك السفك والموت وذاكرة البشرية الممتلئة عن بكرة أبيها، نعيش زمناً قاسياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. ليس بالأرقام وإنما بتأثير تلك الأحداث على حياتنا.

الفرق اليوم، أن معادلة الكون اختلفت. لقد اخترقَ الانسان الزمن فقصَّره، وطرقّ باب المسافات فاقتحمها وحذف وأضاف بتقنيته الحديثة تعريف البديهيات، وكسر قيود الحدود التي عاشت عليها البشرية أزمنة مديدة. أصبحتَ ترى وتشاهد بأم عينيك اليوم ما كنت تسمع عنه أو تقرأه بعد أن كاد يُصبح تاريخاً يُحكى.. وشتّان بين واقعة تقرأها في كُتب التاريخ وبين أخرى تشهد أحداثها على الهواء مباشرةً، بل وأحياناً تشارك في كتابة السيناريو لها وتُصيغ الحوار عن علم أو عن جهل.

في عالم اليوم، أنت ترى الجريمة لحظة وقوعها، وتلمح الضحية وهي ترتجف، وتسمع دقات نبض القاتل والمقتول في آن واحد. ترى بأم عينيك القنبلة وهي تسقط على قلب مدينة مكتظةٌ فتنسفها، ترى المارة المسالمين في بقعة ما في هذا الكوكب يُدهسون وهم يتنزهون في وقت عُطلتهم.. تعيش على قارب مع مجموعة من المهاجرين وقد فروا يبحثون عن وطن جديد بعد أن احترق مرفأ أحلامهم.. تُهرول مع لاجئين ينهشهم الخوف وقد هربوا في ليل أسود، يفتشون عن نهار جديد كي يُعانقهم ويمنحهم الدفء والأمان. أنت قريب جداً لدرجة مخيفة.. تعيش تفاصيلهم وتفترش خيامهم معهم وتشعر ببردهم ينهش عظامك، بل وتصيبك كوابيسهم في منامك. 

كارثتنا اليوم أننا أصبحنا أكثر قرباً، أكثر التصاقاً، فبتنا نعيش الحروب رغماً عنَّا، نتنفس هواءها الملوث، أيادينا مُلطخة وألسنتنا غارقة.. وأنوفنا تشم رائحة الدم.. إحساس القُرب شوَّه أجمل ما فينا، أُرغمنا على أن نشارك، وكأن مشاركتنا تلك أصبحت إثباتاً لوجودنا وبطولة ندَّعيها. اليوم أنت ترى العالم وهو يولد وهو يحتضر.. وما بينهما من زلازل وويلات. 

في هذا الزمن الصعب وبعد كل تلك المآسي القاتمة المسافرة والأحلام المُمزقة والمُدن المُهدَّمة على رؤوس أهلها.. لم يعد السلام اختياراً بل قراراً لا رجعة فيه.

لذا أخبر كل من يُشعل فتيل نزاع وهو يضحك، أو من يُصفّق لحرب ضروس محتفلاً بانتصاره الكاذب، أو أي مجنونٍ يصارحك بأمانيه السوداء في تصفية كل من يختلف معه في نشوة وسعادة.. أخبر كل هؤلاء أننا لم نعد بحاجة لمزيد من مُشعلي الحرائق ومُفجري البراكين ونافثي الكُره كي ينتشروا في هذا العالم.. بل نحتاج إلى رُسل سلام ومواسم خير ونهارٍ صادق يأتي وبين جنبيه أصواتٌ نقية مخلصة تؤمن أن الإنسانية في هذا العالم تُذبح.. وأن النار إن لم تُخمد ستبتلع الجميع في جوفها الطامع وأنَّ الخراب قادم كغول ثائر جائع لا يفرق بين أسود وأبيض.. وأنَّ لا طاقة لنا بالمزيد من الويلات، نحتاج من يصرخ مُذكّراً البشرية أننا نعيش على الأرض نفسها.. تكفينا حروبٌ فقد غرقت الأرض وغرقنا معها في مستنقعات دم. 

لكنني أعلمُ تماماً أنَّ رغم كل تلك الابتهالات الباكية، ستظل الحروب تُلطخ وجه هذا العالم المضطرب، وأعلم أنَّ الواقع أكثر غروراً من أن يستجيب لأمانينا الراجية البريئة.. وأثق أنّ أغلبنا لا يملك من أمره شيئاً.. لكن يكفي أن يُؤْمِن كل واحد منّا في قرارة نفسه أنّ السلام هو أسمى معاني الحياة.. وأنّ السلام ليس ضعفاً أو خنوعاً بل حرباً من نوع آخر، وأنها الحرب الأصعب.. حربٌ ضروس ينتصر فيها الإنسان على الشر الذي يكاد يفترسه.. فيوقفه، يذبحه.. يكفي أن نؤمن أن السلام ليس استسلاماً.. بل شجاعة..

يكفي أن نتألم بحق ونرفض بعنف ونلعن بقوة كل مظاهر الدماء.. حتى نتبرأ من كل حروب هذا العالم المُستعر.

رغم كل ما مرَّ على البشرية في تاريخها الطويل، يكفي أنّ نذرف دمعة حُزن من قلب يتفطّر أسىً.. يكفي أنّ نتغير بصدق، فلربما انصاع العالم بعد كل هذا الجنون إلى شيء من العقل.. أو القلب. 

دمتم ودام الوطن بألف خير.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع “الاقتصادي.كوم”، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

أضف تعليقك

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر COMMAND أو CTRL