إصلاح التقارير المالية


فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي

فريدريك الشمالي متحدث وكاتب في القانون والحوكمة والأعمال، لبناني الجنسية. مدير عام "شمالي وشركاه" منذ 2012. أمين عام "مجموعة ماليا" منذ 2015، الجمهورية اللبنانية.

الاقتصادي – آراء وخبرات:

حول إعداد التقارير المالية في الشركات، حدودها والمقاربة الجديدة

لم أصادف يوماً في الحياة المهنية بيانات مالية لشركات أقنعتني بشموليتها. لطالما اعتمدت الشركات النماذج التي تتوافق مع القوانين المحلية ومعايير محددة ومعتمدة لإعداد التقارير المالية حيث تتناسب مع حاجات مفوضي المراقبة ولكن ليس بالضرورة مع مصلحة قيادة الشركة نفسها من مجلس ادارتها ومسؤوليها الرئيسيين.

ينتهي المطاف بأن تقوم هذه القيادة داخل الشركات باتخاذ القرارات بناءً على بيانات مالية صُمِمت نماذجها لتتلاءم مع مصلحة مفوضي المراقبة، وليس مصالحها؛ ناهيك عن أن معايير التقارير مبنية على مبادئ محاسبية، وهذه المعايير بتصميمها لا تخدم الاستراتيجية.

إن هدف تحديد معايير إعداد التقارير هو تعزيز وتطوير مفاهيم ولغة مالية واحدة يفهمها ويتداول بها الجميع. وهناك فائدة كبرى والتي هي أيضاً غرض أساسي من هذه المعايير وهي الشفافية. على سبيل المثال، يطلب من الشركات المدرجة في الأسواق المالية أن تقدم إلى الهيئات المنظمة لهذة الأسواق بياناتها المالية.

يمكن الملاحظة أن كلتا الحالتين تخدمان مفوضي المراقبة والمنظمين، وكلاهما أطراف خارجية للشركات، وبالتالي يحتاجون إلى المعلومات من داخل الشركة لتلبية أهدافهم. انهم خارج الشركة، يحتاجون دخول أرقامها.

قد لا تعود المعلومات بالفائدة نفسها إذا كنت في الداخل. عندما تكون داخل الشركة، فإنك بحاجة إلى معلومات خارجية لبناء التحليل الصحيح والتموضع المناسب في السوق. وهذا يشكل أساس استراتيجية الشركات.

عمَ أتحدث تحديداً؟

البيانات المالية (Financial Statements) في معظم الشركات تغطي أساساً الميزانية العمومية (Balance Sheet) وبيان الدخل – حسابات الأرباح والخسائر (Income Statement – Profit and Loss) وبيان التدفقات النقدية (Cash Flow Statement). وهي تظهر فقط الوضع المالي للشركة لأنها تعتمد حصراً على بيانات الشركة الداخلية. حتى أن التحليل يُبنى على البيانات ذاتها، وهو في الغالب مقارنة مع السنوات السابقة مع وجود نسب مئوية بالفروفات (Variations) أو عندما يتم إعتماد أو حياكة نسب معيَنة (Ratios).

ولكن ماذا لو كان ذلك غير كافٍ، ماذا لو أرادت الشركات معرفة نموَها الحقيقي وليس فقط وضعها المالي. أليست بحاجة الى إدراج مؤشرات اقتصادية (Macroeconomic Indicators) من الدول التي تعمل فيها، وأوليست بحاجة إلى ربط هذه المؤشرات بالنتائج المالية لتقييمٍ أفضل للشركات؟

لنقوم بالمقارنة

الحالة الأولى:

إذا كانت البيانات المالية معدَة على أساس الممارسة الحالية، فإننا سوف نلاحظ نموًا في المبيعات لشركة “أ” في عام 2016 بنسبة 2% مقارنة مع عام 2015، مع تحسن في الأرباح الإجمالية (EBITDA) بنسبة 5% ناتجة عن انخفاض في النفقات.

الحالة الثانية:

إذا كانت البيانات المالية معدَة مع إدماج مؤشرات اقتصادية، يصبح التحليل على النحو التالي: نمو في المبيعات لشركة “أ” في عام 2016 بنسبة 2% مقارنة مع عام 2015، في حين أن الناتج المحلي الإجمالي تحسَن بنسبة 3.5%، مع تحسن في الأرباح الإجمالية (EBITDA) بنسبة 5% ناتجة عن انخفاض في النفقات، في حين شهد 2016 انكماش كبير بنسبة 10% ناجم عن تهاوي أسعار النفط. وعلى الرغم من أن هذه الحالة قابلة للنقاش من قبل خبراء الاقتصاد، إلا أنها تبقى بالتأكيد مثيرة للاهتمام ولها دلالاتها عند المقارنة.

الاستنتاج الموضوعي

تظهر الحالة الأولى نمواً حتمياً بينما تظهر الحالة الثانية أداءً ضعيفاً. الحالتين هما للشركة نفسها في العام نفسه والنتائج ذاتها. الفرق في السياق.

في مقارنة النتائج

بالحديث عن المقارنة، فهل مقارنة نتائج العام الحالي مع العام أو العامين الأخيرين تظهر نمو الشركة بصورة عامة وسليمة، أو أنها تظهر نمو الشركة مقارنة بالعام السابق حصراً؟ ألا تنبغي المقارنة مع أفضل عام – وهو عام أفضل أداء للشركة يعتمد العام المرجع في المقارنة والتحليل الماليين – بدلاً من العام السابق؟ أليس لهذا دلالات أكثر؟

بعض المؤشرات الأخرى

في حين نحن بحاجة الى خبراء وأكاديميين لتحديد المؤشرات المالية ذات الصلة لكلٍ من الشركات والاقتصادات الوطنية وربطها بشكل صحيح، فيما يلي بعض المؤشرات الأساسية.

الناتج المحلي الإجمالي (GDP) هو مؤشر يتناسب مع إجمالي المبيعات (Sales) في الشركات. إن نمو الشركة يصبح بالتأكيد أكثر دلالة إذا تمَت قراءته في سياق أداء الاقتصاد الوطني، وهذا عندما تتم مقارنة النسبة المئوية للفرق(Variation %)  في إجمالي المبيعات مع نسبة الفرق (Variation %) في الناتج المحلي الإجمالي.

التضخم (Inflation) مؤشر آخر. مع ماذا يمكن اقترانه؟ إعادة تقييم الأصول الثابتة (Revaluation of Fixed Assets) على سبيل المثال؟ هل ينبغي أن يكون إحداهما مؤشراً للآخر أو أساس احتسابه؟

كلفة الموظفين (Cost of Employees). يمكن مقارنتها بمتوسط الراتب الوطني (National Average Income) وفروقاتهما (Variations %)، بالإضافة إلى نسبة البطالة (Unemployment Rate).

يجدر الذكر أن انتقاء المؤشرات رهن كل دولة كما أن دقة هذة المؤشرات عاملاً مساعداً في نجاح المقارنة، لكن معظم الدول تعتمد مؤشرات أساسية كالمذكورة أعلاه.

الآن لنتخيَل أنه تم إدراج في نماذج التقارير المالية التي تقدَم في نهاية السنة المالية مؤشرات اقتصادية والمقارنة مع أفضل عام. هذه النماذج تلبِي حاجات المنظمين ومفوضي المراقبة، كما وتعطي القادة في الشركات دلالات يمكِنهم البناء عليها لاتخاذ القرارات الاستراتيجية.

بينما أقوم بكتابة هذا المقال، تتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة وتزداد القناعة بأن النماذج بحاجة الى إعادة صياغة. مثلاً، هل على الشركات تطوير النماذج بأنفسها أو إنتظار المجالس العالمية التي تنظر بمعايير المحاسبة لكي تطوِر سياساتها؟ قد يكون هذا أيضاً من اختصاص الاقتصاديين والأكاديميين والمهندسين الماليين؟

هذا مشروع تقني لكنه يطال الشركات استرتيجياً وثقافياً.

في عصرنا هذا حيث معرفة الشؤون المالية أصبح شرطأً للمهنيين ليصبحوا من كبار قادة الشركات، ينبغي النظر في مقاربة أكثر تطوراً وشمولية للبيانات المالية.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع “الاقتصادي.كوم”، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

أضف تعليقك

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر COMMAND أو CTRL